دليل شامل

محرم وعاشوراء — دليل المناسبات الحسينية في التقويم الهجري

شهر محرم هو الشهر الأول من السنة الهجرية، وأحد الأشهر الحرم الأربعة التي عظّمها القرآن الكريم. وقد اقترن هذا الشهر بأعظم حدث في وجدان الشيعة الإمامية: واقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين بن علي عليهما السلام وأهل بيته وأصحابه في كربلاء سنة 61 للهجرة. وفي هذا الدليل نستعرض — استناداً إلى مصادر شيعية موثّقة — معنى الشهر، تسلسل الأحداث من خروج الإمام من مكة حتى الأربعين، وأبرز الشعائر الحسينية الموروثة.

شهر محرم في التقويم الإسلامي

محرم هو الشهر الأول من شهور السنة الهجرية، وسُمّي بهذا الاسم لحرمة القتال فيه عند العرب قبل الإسلام، ثم أقرّ الإسلام هذه الحرمة وأضاف إليها أحكاماً. وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة التي ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: «إنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم» (التوبة 36)، وهي: محرم، رجب، ذو القعدة، وذو الحجة.

إلى جانب مكانته العامة في الإسلام، اكتسب شهر محرم عند الشيعة الإمامية مكانة خاصة بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام في العاشر منه سنة 61 للهجرة. فتحوّل الشهر منذ ذلك الحين إلى شهر حزن وعزاء، يُحييه المؤمنون كلّ عام بإقامة مجالس العزاء منذ ليلة استهلاله، تواصلاً مع مصاب أهل البيت ومواساةً لهم. ويبدأ التركيز خلال العشرة الأولى من الشهر على تسلسل أحداث كربلاء يوماً بيوم، حتى يبلغ ذروته في يوم العاشر.

واقعة الطف: من الخروج إلى كربلاء

خرج الإمام الحسين عليه السلام من مكة المكرّمة في اليوم الثامن من ذي الحجة سنة 60 للهجرة، متوجّهاً نحو الكوفة بناءً على المراسلات التي وصلته من أهلها وعهدهم له بالنصرة، وقد عيّن قبل ذلك ابن عمّه مسلم بن عقيل سفيراً عنه إليهم. وفي طريقه نزل في ثمانية عشر منزلاً بين كل منزل وآخر نحو ثلاثة فراسخ، إلى أن اعترضه الحرّ بن يزيد الرياحي على رأس ألف فارس بأمر من عبيد الله بن زياد والي الكوفة، فحوّل مسيره عن الكوفة.

اليوم الثاني من محرم سنة 61 للهجرة: وصل الإمام الحسين عليه السلام إلى أرض كربلاء، ونزل فيها بأهل بيته وأصحابه. وخلال الأيام الأولى تتابعت قوات الكوفة تحت قيادة عمر بن سعد، وضُيّق على المعسكر الحسيني تدريجياً.

اليوم السابع من محرم: قُطع الماء عن مخيم الإمام الحسين عليه السلام ومن معه، وذلك بأمرٍ من ابن زياد لإجبار الحسين على البيعة ليزيد. ومن هذا اليوم بدأت معاناة العطش التي اتّخذت بُعداً رمزياً عميقاً في الذاكرة الحسينية والشعائر المرتبطة بها.

ليلة عاشوراء وتاسوعاء

اليوم التاسع من محرم — تاسوعاء الحسين عليه السلام: في عصر هذا اليوم استعدّت الجيوش التي أرسلها ابن زياد بقيادة عمر بن سعد لبدء المواجهة العسكرية مع الإمام الحسين عليه السلام، وزحفت نحو مخيّمه. غير أنّ الحسين عليه السلام طلب منهم تأجيل القتال ليلةً واحدة، يقول: «هذه ليلة لا بدّ لي فيها من المناجاة لربي»، فأمهلوه.

في تلك الليلة — ليلة عاشوراء — جمع الإمام أصحابه وأهل بيته وخطب فيهم، وأذن لهم بالانصراف وقال: «هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً». فأبى الجميع إلا الثبات معه، وأقاموا ليلتهم بين صلاة وقرآن وتهيّؤ للشهادة. وتُعدّ ليلة عاشوراء من أكثر الليالي قدسية في الذاكرة الحسينية، وتقام فيها مجالس عزاء خاصة في عموم مآتم البحرين وغيرها من البلاد.

يوم عاشوراء — العاشر من محرم

اليوم العاشر من محرم 61 للهجرة: عاشوراء — يوم استشهاد الإمام الحسين عليه السلام. مع طلوع فجر هذا اليوم اصطفّ جيش ابن سعد، وقابلهم الإمام الحسين عليه السلام بأهل بيته وأصحابه — وعدد قليل لا يتجاوز بضعاً وسبعين رجلاً. وقبل بدء القتال، خطب الإمام في معسكر ابن سعد محاولاً وعظهم وتبيين موقفه، طالباً منهم الإنصات لا الاستعجال، حتى يبيّن لهم سبب مجيئه ولا يُشتبه عليهم الأمر.

في صباح ذلك اليوم بدأ القتال، وسقط كثير من أصحاب الحسين عليه السلام صرعى حتى انتصاف النهار. ومن أبرز أحداث ذلك اليوم: التحاق الحرّ بن يزيد الرياحي — قائد القوات التي اعترضت الإمام في الطريق — بمعسكر الحسين تائباً، وقاتلَ بين يديه حتى استُشهد. ثم تتابع استشهاد الأصحاب فردياً وجماعياً، ثم استشهد بعدهم أبناء أهل البيت والإخوة وذوو القربى، إلى أن بقي الإمام وحده، فاستُشهد بعد عصر ذلك اليوم.

بعد استشهاد الإمام انتقل القتال إلى المخيم: أحرقت الخيام، وسُلبت ممتلكات أهل البيت، وأخذت النساء والأطفال سبايا. وكان الإمام علي زين العابدين عليه السلام — وهو الوحيد من أبناء الحسين الذكور الذي بقي حيّاً يومئذ بسبب مرضه — قد منعه المرض من القتال، فحُمل مع السبايا.

ما بعد عاشوراء: السبايا والأربعون

في اليوم الحادي عشر من محرم سيق ركب السبايا من كربلاء إلى الكوفة فإلى الشام، وخلّفوا وراءهم أجساد الشهداء على رمال كربلاء. وفي الثالث عشر من محرم تكفّلت بنو أسد بدفن شهداء كربلاء، حيث وصلوا إلى ساحة المعركة ودفنوا الأجساد الطاهرة في الموضع الذي تقوم عليه اليوم العتبة الحسينية المقدّسة.

في رحلة السبي إلى الشام برز دور السيدة زينب الكبرى عليها السلام في حفظ مقام أهل البيت وإيصال رسالة الثورة الحسينية في مجلس يزيد، ومثلها فعل الإمام علي زين العابدين عليه السلام بخطبه ومواقفه — وقد سُمّي بعدها بسيد الساجدين. ومن المقامات المرتبطة بهذه المرحلة: استشهاد الإمام علي زين العابدين عليه السلام ووفاة السيدة زينب الكبرى عليها السلام.

اليوم العشرون من شهر صفر — الأربعين الحسيني: يصادف مرور أربعين يوماً على استشهاد الإمام. والمشهور أنّ الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري وصل في هذا اليوم إلى كربلاء فزار قبر الحسين عليه السلام، فكان أوّل زائر بعد الواقعة، كما يُروى أنّ ركب السبايا — في طريق عودته من الشام — مرّ بكربلاء في اليوم نفسه. وقد ورد عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام عدّ زيارة الأربعين من علامات المؤمن.

وفي العقود الأخيرة تطوّرت مسيرة الأربعين — وهي المشي على الأقدام من مدن العراق نحو كربلاء — لتصبح أكبر تجمّع سنوي يقصده شيعة العالم، يشارك فيه ملايين الزوّار من البحرين ومن سائر البلدان.

الشعائر الحسينية ومجالس العزاء

البداية التاريخية الموثّقة للعزاء الحسيني العلني تعود إلى عهد الدولة البويهية، حين أمر السلطان معز الدولة في محرم سنة 352 للهجرة بتعطيل الأسواق وإقامة المآتم العامة للإمام الحسين عليه السلام، فالتزم الناس بإبراز العزاء في شكل مواكب خارج البيوت — وهي أول إشارة معروفة إلى موكب العزاء كظاهرة جماعية منظّمة.

تتعدّد صور إحياء الشعائر الحسينية في مآتم البحرين وفي مختلف بلدان العالم الإسلامي، ومنها:

  • مجالس العزاء: تُعقد ليلياً في العشرة الأولى من محرم، ويعتلي فيها الخطيب الحسيني المنبر لقراءة سيرة الحسين عليه السلام والمصيبة، ويُختم المجلس بالنعي ولطم الرواديد.
  • مواكب العزاء: مواكب اللطم هي الأكثر انتشاراً في المجتمع الشيعي، حيث يجتمع المعزّون في الحسينيات والمآتم ثم ينطلقون في الطرقات، يُحيي كل مجتمع ذكرى المصاب بطريقته ومسلكه.
  • اللطم: من أشهر المراسم التقليدية في مأتم الإمام الحسين، ويقوم فيها المعزّون بلطم الصدور أثناء سماعهم لقصيدة رثائية. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى عدّه من العبادات في حقّ من أوقع نفسه فيه حبّاً لأهل البيت وتأسّياً بمصابهم.
  • قراءة المقتل الحسيني والقصائد الرثائية
  • إطعام الزوّار والمعزّين: من أبرز ما يميّز ليالي محرم في مآتم البحرين، حيث تُقدَّم وجبات مجانية للحضور كصدقة على روح الإمام الحسين عليه السلام.

وللمراجع العظام كالسيد علي السيستاني (دام ظله) آراء فقهية مفصّلة في أحكام إحياء الشعائر وأدائها، يُرجَع إليها في موقع المرجعية الرسمي.

المآتم الحسينية في البحرين خلال محرم

البحرين بلد ذو حضور شيعي إمامي تاريخي ممتدّ، وتنتشر فيه شبكة واسعة من المآتم الحسينية موزّعة على المحافظات الأربع: محافظة العاصمة، المحافظة الشمالية، محافظة المحرق، والمحافظة الجنوبية. يضمّ هذا الدليل بياناتٍ مفصّلة لـ 291 مأتم مع عناوينها، خطبائها، وجداول مجالسها.

خلال محرم تُقام مجالس العزاء يومياً في معظم هذه المآتم بعد صلاة المغرب، ويستضيف كلّ مأتم خطيباً أو أكثر يقرأ سيرة الإمام الحسين عليه السلام ومصيبة كربلاء. ومن أبرز ما يميّز المجالس البحرانية:

  • الفصل بين مآتم الرجال ومآتم النساء؛ حيث تختصّ بعض المآتم بالنساء فقط ولكلّ منها قارئاتها وخطيباتها.
  • الإطعام بعد المجالس وتوزيع وجبات السحور في الليالي العشر — تتولى تنظيمها أسر المأتم والمتبرّعون.
  • المواكب العامة في يوم عاشوراء وفي الأيام التي تليه، تطوف الأحياء والقرى وتُلقى فيها القصائد والنعي.
  • البثّ المباشر للمجالس عبر منصّات التواصل، الذي أصبح في السنوات الأخيرة جزءاً من تقليد متابعة المجالس عن بُعد.

لتصفّح المآتم البحرينية وفق المنطقة أو نوع المأتم، يمكن استخدام أدوات الدليل التالية: